في بيئة إقليمية شديدة الحساسية والتقلب، لم يعد الصراع في الخليج مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل تحول إلى منظومة معقدة من الأدوات والآليات التي تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والاعتبارات القانونية. وفي قلب هذه المعادلة، برز الحصار البحري وعمليات تأمين الممرات البحرية كأداتين رئيسيتين لإدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة المواجهات الحديثة، حيث باتت إدارة الصراع لا تقل أهمية عن خوضه.
ملامح الحصار البحري: يمثل الحصار البحري إحدى أكثر الأدوات الاستراتيجية تعقيدًا في إدارة الصراعات الدولية، إذ يتجاوز كونه إجراءً عسكريًا ليغدو أداة مركبة تتقاطع فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والسياسية. وفي سياق التعامل مع إيران، تسعى الولايات المتحدة إلى خنق تدفقات الطاقة عبر تعطيل حركة الصادرات والواردات، خاصة النفط والغاز، من خلال فرض رقابة صارمة على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها. وتتمركز القطع البحرية الأمريكية عند نقاط حيوية، على رأسها مضيق هرمز، بما يسمح بفرض سيطرة فعلية على خطوط الملاحة الدولية.
ولا يقتصر الأمر على الانتشار العسكري، بل يشمل أيضًا عمليات تفتيش واعتراض للسفن في المياه الدولية، وفقًا لما يعرف بـ”قانون الجوائز”، الذي يتيح احتجاز السفن أو مصادرة حمولاتها إذا ثبت دعمها للخصم. كما تُستخدم قدرات الاستطلاع الجوي والأقمار الصناعية لتتبع مسارات الشحن بدقة، ما يعزز من فعالية الحصار ويحد من محاولات الالتفاف عليه. وبهذا يتحول الحصار إلى أداة ضغط متدرجة تستهدف تقليص الموارد المالية لإيران، دون الانزلاق الفوري إلى مواجهة عسكرية شاملة، وإن ظل محفوفًا باحتمالات التصعيد في أي لحظة.
تهديدات غير تقليدية: على الرغم من التفوق البحري الأمريكي، فإن تنفيذ حصار فعال في الخليج يظل محفوفًا بمخاطر كبيرة، نتيجة طبيعة التهديدات غير التقليدية التي تعتمدها إيران. إذ ترتكز الاستراتيجية الإيرانية على تكتيكات الحرب غير المتكافئة، من خلال استخدام الزوارق السريعة المسلحة، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، فضلًا عن الألغام البحرية. وتتيح هذه الأدوات لإيران إحداث تأثير كبير بتكلفة محدودة نسبيًا، ما يخلق نمطًا من الردع غير المتوازن لكنه فعال.
ويزداد هذا التعقيد في ظل الطبيعة الجغرافية الضيقة للممرات البحرية، والكثافة العالية لحركة التجارة اليومية، حيث يمر جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية عبر الخليج.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية التمييز بين السفن المدنية والعسكرية، أو بين الأنشطة التجارية والدعم اللوجستي، كعامل يزيد من احتمالات الخطأ والتصعيد غير المقصود. وعليه، فإن الحصار البحري لا يمثل مجرد عملية سيطرة، بل اختبارًا مستمرًا لقدرة القوات الأمريكية على إدارة بيئة عملياتية شديدة التعقيد والحساسية.
تعقيدات ضاغطة: بالتوازي مع الحصار، تبرز عمليات إزالة الألغام البحرية كأحد أكثر التحديات تعقيدًا في مسرح العمليات البحرية. وتكمن صعوبة هذه المهمة في تنوع الألغام البحرية وتعدد آليات عملها، إذ قد تنفجر عند التلامس، أو استجابة لمؤثرات مغناطيسية أو صوتية، أو حتى نتيجة تغيرات ضغط المياه.
تعتمد البحرية الأمريكية في مواجهة هذه التهديدات على منظومة متكاملة من الوسائل، تشمل المركبات غير المأهولة تحت الماء، وأنظمة السونار المتقدمة، والمروحيات المزودة بتقنيات كشف حديثة، إلى جانب سفن متخصصة في مكافحة الألغام. وتتم العمليات عبر مرحلتين رئيسيتين: الأولى “الكنس”، وتهدف إلى تعطيل الألغام أو تفجيرها، والثانية “البحث والتدمير”، التي تركز على تحديد مواقع الألغام المتطورة والتعامل معها بدقة.
غير أن التحدي الأبرز لا يقتصر على اكتشاف الألغام، بل يمتد إلى ضمان خلو الممرات البحرية منها بشكل كامل، خاصة في ظل إمكانية إعادة زرعها خلال فترات زمنية قصيرة. كما تفرض محدودية القدرات المتخصصة الاعتماد على دعم الحلفاء، ما يجعل من هذه العمليات جهدًا جماعيًا يتطلب مستويات عالية من التنسيق والتكامل.
تحولات في الصراع: تكشف هذه الديناميكيات عن تحول نوعي في طبيعة الصراع في الخليج، من نماذج المواجهة التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والقانونية. فالحصار البحري يستهدف إنهاك الخصم اقتصاديًا، في حين تسعى عمليات إزالة الألغام إلى ضمان استمرارية تدفق التجارة والطاقة على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، لا يتوقف تحقيق النجاح على التفوق العسكري فحسب، بل يرتبط أيضًا بعوامل حاسمة تشمل سرعة الاستجابة، ودقة المعلومات الاستخباراتية، ومستوى التنسيق مع الحلفاء، في بيئة تُعد من الأكثر حساسية وتأثيرًا على استقرار الاقتصاد العالمي.
خاتمة، وفي ضوء هذه المعادلات المتشابكة، يتضح أن إدارة المعارك البحرية في الخليج لم تعد رهينة القوة العسكرية وحدها، بل أصبحت عملية مركبة تقوم على مزيج من الردع الاقتصادي، والجاهزية العملياتية، والقدرة على التعامل مع تهديدات غير تقليدية في بيئة شديدة التعقيد. فنجاح أي استراتيجية بحرية في هذه المنطقة يرتبط بمدى القدرة على تحقيق التوازن بين فرض السيطرة ومنع التصعيد، وهو توازن دقيق سيظل العامل الحاسم في تحديد شكل الصراع ومستقبل الاستقرار في أحد أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي. د. نورهان العباسي – مركز رع
شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات بنيوية عميقة، تمثلت في تراجع أنماط التحالفات التقليدية وصعود أشكال أكثر مرونة من التنسيق الإقليمي. وفي هذا السياق، برز مصطلح “المحور السني الجديد” في الخطاب الإعلامي والتحليلي في إسرائيل، بوصفه إطارًا لتفسير تقارب عدد من الدول العربية والإقليمية.
غير أن هذا المصطلح يثير إشكالية معرفية، إذ يجمع بين توصيف طائفي ظاهري وسلوك سياسي براجماتي قائم على المصالح. ومن ثم، تطرح هذه الورقة تساؤلا محوريا: إلى أي مدى يعكس مفهوم “المحور السني الجديد” واقعًا تحالفيًا حقيقيًا؟، أم أنه مجرد بناء تحليلي يختزل شبكة معقدة من المصالح؟
المنهجية
تعتمد الورقة على المنهج التحليلي النوعي لفهم طبيعة العلاقات بين الدول المعنية المشاركة، والمنهج المقارن لمقارنة هذا “المحور” بمحاور أخرى، مثل “محور المقاومة” الذي يغلب عليه المذهب الشيعي، وتحليل السيناريوهات لاستشراف المسارات المستقبلية المحتملة.
حدود الدراسة:
لا تعتمد الورقة على تحليل بيانات كمية، فضلا عن محدودية البيانات التجريبية، مع التركيز على التحليل السياسي التفسيري أكثر من الاقتصادي التفصيلي.
الإطار النظري
يمكن تفسير الظاهرة ضمن ثلاث مقاربات رئيسة: الواقعية (Realism)التي تفترض أن الدول تسعى إلى الحفاظ على أمنها، وتعزيزه، وموازنة التهديدات، ينطبق ذلك على سلوك الدول تجاه النفوذ الإيراني. ونظرية توازن القوى (Balance of Power)، التي تشير إلى أن الدول تشكّل تحالفات لمواجهة قوة مهيمنة، ما يُفسّر التقارب بين دول إقليمية لمواجهة إيران. البنائية (Constructivism)، التي تركّز على دور الهوية والخطاب، بما يفسر استخدام مصطلح “سني” رغم أن السلوك سياسي براجماتي.
إطار المفاهيم
-تعريف “المحور السني الجديد”: توصيف تحليلي يشير إلى تقارب سياسي وأمني غير رسمي بين عدد من الدول ذات المصالح المشتركة في مواجهة تحديات إقليمية.
إن الحديث المتداول عن “حلفٍ سنّي”، تقوده دول مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان، يقابله “تحالف مضاد” تسعى إليه إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، يمثل خلطا بين تصريحات سياسية جزئية، وتحليلات إعلامية، ومبالغات متداولة على وسائل التواصل، وليس واقعًا متبلورًا على الأرض حتى الآن.
تصريحات نتنياهو
تشير التصريحات إلى أن بنيامين نتنياهو تحدث عن وجود “محور شيعي” تقوده إيران تسعى إسرائيل لإضعافه، وفي المقابل، حذّر من تشكل “محور سنّي” جديد قد يضم دولًا كبرى في المنطقة. لكنه لم يعلن رسميًا عن خريطة تحالفات تفصيلية للدول المشاركة فيه بالشكل الذي يُتداول (مثل: إثيوبيا ضد مصر، أو الهند ضد باكستان، وقبرص واليونان ضد تركيا)، بل إن هذه التفاصيل تأتي غالبًا من تحليلات أو منشورات غير موثقة.
حقيقة “الحلف السنّي”
-من حيث الواقع: لا يوجد حلف عسكري رسمي معلن يضم تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان. لكن توجد تقاطعات مصالح بين هذه الدول في بعض الملفات، مثل مواجهة النفوذ الإيراني أو قضايا الأمن الإقليمي. أيارجد فقط هو اتفاقيات ثنائية، مثل التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان، الذي يعكس تقاربًا استراتيجيًا دون أن يشكل “حلفًا موحدًا”.
-من حيث التحديات: هذا “الحلف المفترض” يصطدم بعقبات كبيرة، منها اختلافات سياسية عميقة (مثل التوتر السابق بين تركيا ومصر)، وتباين الأولويات (اقتصادية، وأمنية، وجيوسياسية)، وعدم وجود قيادة موحدة أو إطار مؤسسي. لذلك ينظر إليه على أنه أقرب إلى تصور نظري أو احتمال جيوسياسي وليس تحالفًا قائمًا.
حقيقة “التحالف المضاد” التي تقوده إسرائيل
تعمل إسرائيل بالفعل على بناء شبكة تحالفات مرنة (وليس حلفًا رسميًا واحدًا)، وتعزيز علاقاتها مع دول أوروبية (مثل اليونان وقبرص)، وقوى آسيوية (مثل الهند)، ودول إفريقية (مثل إثيوبيا). لكن هذه العلاقات ثنائية أو ثلاثية ولاتشكل “محورًا موحدًا ضد دول بعينها”، ولا يوجد إعلان رسمي عن “تحالف مضاد” بهذه الصيغة.
الأهداف المحتملة
إذا أخذنا الفكرة كتصور نظري، فإن أهداف هذه المحاور قد تكون:
-بالنسبة لإسرائيل: منع تشكل قوة إقليمية موحدة ضدها، وموازنة النفوذ الإيراني، وتوسيع شبكة الشراكات الأمنية والاقتصادية.
-بالنسبة للدول الإقليمية: تحقيق توازن قوى في المنطقة، وحماية المصالح الاستراتيجية (الطاقة، والممرات البحرية، والأمن).
قابلية التحالفات للتحقق
بواقعية شديدة المنطقة لا تعمل وفق “محاور صلبة” (مثل الحرب الباردة)، بل وفق تحالفات مرنة ومتغيرة، وتعاون جزئي وفق الملفات المطروحة. لذلك من غير المرجح ظهور “حلف سنّي موحد”، أو “تحالف إسرائيلي مضاد شامل”، بل الأرجح استمرار شبكة علاقات متداخلة ومتغيرة.
الخلاصة
ما يُتداول عن حلف سنّي موحد وتحالف إسرائيلي مضاد بتوزيع دولي محدد هو تبسيط مفرط لمشهد معقد جدًا. الحقيقة الأقرب هي أن هناك تنافسا إقليميا ومحاولات اصطفاف، لكن دون تحالفات رسمية شاملة بهذا الشكل، والواقع على الأرض تحكمه البراجماتية أكثر من الانقسام الطائفي الصارم.
طبيعة “المحور السني”
-غياب البنية المؤسسية: لا توجد معاهدة مشتركة، وبالتالي لم تتشكل قيادة موحدة، ولا التزام دفاعي مشترك.
–السمات الأساسية: مرونة عالية، وبراجماتية سياسية، وانتقائية في التعاون.
يعكس غياب البنية المؤسسية والسمات الأساسية المشتركة- الناتجة عن غياب معاهدة مشتركة وقيادة موحدة والتزام دفاعي- “شبكة مصالح” لا “تحالفًا مذهبيا تقليديًا”.
بين “المحور السني” و”المحور الشيعي”
البعد
المحور السني
المحور الشيعي
التنظيم
غير مؤسسي
شبه مؤسسي
الأيديولوجيا
ضعيفة
قوية
الأدوات
دبلوماسية
عسكرية
القيادة
غائبة
مركزية
يكشف جدول المقارنة بين المحورين اختلافا ليس فقط في الأهداف، بل في البنية ذاتها.
التحليل الجيوسياسي
-البعد الأمني: تتمثل مجالاته في مكافحة الإرهاب، والتنسيق في ملفات إقليمية، واحتواء النفوذ الإيراني.
-البعد السياسي: تتمثل مجالاته في رفض الفوضى الإقليمية، وتقارب في مواقف الحكم والاستقرار.
-البعد الاستراتيجي: تتمثل مجالاته في إعادة تشكيل ميزان القوى، ومنع الهيمنة الإقليمية.
السيناريوهات المستقبلية
-السيناريو الأول – التحالف المؤسسي: تتمثل نتائجه في ردع إقليمي أقوى وتوازن قوى واضح، أما مخاطره فتتمثل في استقطاب حاد وسباق تسلح.
-السيناريو الثاني – الاستمرار كشبكة مرنة (الأرجح): تتمثل نتائجه في تعاون انتقائي وتجنب التزامات رسمية.
-السيناريو الثالث – التفكك: تتمثل نتائجه في فراغ استراتيجي، وتصاعد نفوذ إيران، وزيادة عدم الاستقرار.
الفاعلون الدوليون
-إسرائيل: ترى فرصة للتعاون وتخشى تحالفًا موحدًا.
-إيران: تعتبره تهديدًا وتعمل على موازنته.
-القوى الكبرى: الولايات المتحدة تقدم دعما غير مباشر، أما الصين وروسيا فتعملان على استثمار في التوازنات.
الخاتمة
هكذا تكشف الورقة عن تحول مهم، مفاده الانتقال من نظام محاور صلبة إلى نظام شبكات مرنة، وعلاقات غير ثابتة، وتحالفات ظرفية، ومصالح تتغير بسرعة، كما تظهر أن الصراعات لا تُدار بالكامل، لكنها تُوجّه وتُستثمر. وتخلص أيضا إلى أن “المحور السني الجديد” ليس تحالفًا بالمعنى التقليدي، بل هو انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، حيث تحل شبكات المصالح محل التحالفات الصلبة. وبالتالي فهم هذا “المحور” يتطلب تجاوز التصنيفات الطائفية، والنظر إليه ضمن ديناميات التوازنات الاستراتيجية والمصالح المتغيرة.
د. محمد صالح – مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم
بلانتير جوثام هو أحد الأنظمة الثلاثة التي قامت بها شركة بالانتير للتكنولوجيا ) Palantir Technologies) وهي شركة برمجيات أمريكية متخصصة في تحليلات البيانات الضخمة، يقع مقرها الرئيسي في دنفر، كولورادو، وقد أسسها بيتر ثيل وشركاء أخرون عام 2003. وهذه الشركة لها علاقات قوية بالمجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي، تشتهر الشركة بثلاثة مشاريع على وجه الخصوص: بلانتير جوثام، وبلانتير ميتروبوليس، وبلانتير فاوندري.
يتم استخدام نظام بالانتير جوثام في مكاتب مكافحة الإرهاب التابعة لمكاتب الاستخبارات الأمريكية ووزارة الدفاع، ويقوم بتحليل البيانات العسكرية، مما يجعل له دورًا محوريًّا في تحديد الأهداف، من خلال دمج كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، تشمل صور الأقمار الصناعية واعتراضات الاتصالات والمراقبة الجوية، وتحويلها إلى قوائم أهداف جاهزة للتنفيذ .
وقد تم استخدام نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة بالفعل لتسريع ما يُعرف بـ«سلسلة القتل»، وهي العملية التي تبدأ برصد الهدف وتنتهي بتدميره، حيث لها دور كبير في تقليل الزمن اللازم لاتخاذ القرار من أيام أو أسابيع إلى ساعات فقط. وقد تم الاعتماد على هذا النظام بالفعل في الحرب الأخيرة على إيران من خلال تنفيذ حوالي 900 ضربة خلال أول 12 ساعة، وتحديد أكثر من 2000 هدف خلال الأيام الأولى للحرب.
ولم يكن عامل السرعة متاحاً في الحروب التقليدية، فكانت الحروب التقليدية تعتمد على التحليل البشري البطيء في تحديد الأهداف ورصدها والتعامل معها، بينما اليوم في ظل استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبح الأمر أكثر سرعة في الوقت والتحليل والرصد، وكذلك اختيار نوع السلاح المناسب وكذلك تقدير الأضرار المحتملة.
وفي إطار هذا التطور التكنولوجي الكبير يظل هناك جدل كبير بين شركات التكنولوجيا المختلفة في الولايات المتحدة حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، خاصة مع ظهور خلافات بين شركات التكنولوجيا والحكومة بشأن القيود الأخلاقية على استخدام هذه التقنيات، مثلما حدث الاختلاف بين شركة أنثروبك، التي انتجت نموذج “كلود Claude”، الذي يُعتبر أحد أجزاء منظومة بلانتير جوثام، وبين وزارة الدفاع الأمريكية، فيما يتعلق بعدم السماح باستخدام نموذجها في مجالين رئيسيين، توجيه الضربات بدون تدخل بشري في اتخاذ قرار الضرب، والاستخدام في مراقبة البشر وانتهاك خصوصياتهم.
الجدير بالذكر أنه هناك تقرير يشير إلى أن الجيش الأمريكي استخدم مساعد الذكاء الاصطناعي “كلود” التابع لشركة “أنثروبك” في عملية للقبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في كانون الثاني.
وفي سياق استخدام نظام جوثام بما فيه من تقنيات كبيرة ودقيقة، نجد أن توماس فريدمان، الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة نيويورك تايمز، قد أشار إلى أن الخطر الكبير اليوم هو استحداث وابتكار أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تهديد البنية التحتية العالمية. وقد تحدث عن الإعلان الذي أصدرته شركة أنثروبك فيما يخص النموذج الجديد الذي ابتكره فريقها “كلود ميثوس بريفيو ” بأن هذا الابتكار لا يكتفي بكتابة البرمجيات أو تحسينها، بل لديه قدرة متطورة على اكتشاف ثغرات أمنية خطيرة في الأنظمة الأخرى مهما كانت معقدة ومتطورة، مثل متصفحات الإنترنت وأنظمة التشغيل التي تعتمد عليها مرافق حيوية مثل شبكات الكهرباء والمياه والمطارات والمستشفيات وحتى الأنظمة العسكرية.
وهذا يعني أن الخطورة تكمن في أن هذا النظام صُمم في الأساس لتعزيز الأمن السيبراني، ولكن كما أن لكل علم وتطور وجه يوظف في الخير وآخر في الشر، فإن هذا التطور قد يتحول ويصبح طريقة ونظام غير مسبوق للاختراق والتخريب. بدلًا من أن يكون وسيلة لحماية الأنظمة، ويمكن أن يمنح جماعات إرهابية أو جهات معادية القدرة على تعطيل أو اختراق بُنى سيادية وحيوية في دول مختلفة بجهد محدود وتكلفة زهيدة.
نظام “بلانتير جوثام” في إسرائيل: يُعتبر نظام جوثام من أكثر الأدوات التكنولوجية إثارة للجدل والاهتمام في الأوساط الأمنية والتقنية في إسرائيل، حيث أنه منصة لاستخبارات الإشارات (SIGINT) والبيانات الضخمة (Big Data). وهو محرك البحث الخاص بـ CIA الذي تستخدمه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، يقوم النظام بربط نقاط البيانات التي تتعلق بالهواتف، أو لوحات تراخيص، أو سجلات السفر، أو العلاقات الاجتماعية؛ وذلك لإنشاء صورة استخباراتية شاملة. وقد كشفت صحيفة هآرتس (הארץ) استخدام تقنيات مشابهة أو تابعة لبلانتير في تحليل البيانات المتعلقة بالضفة الغربية وغزة للتنبؤ بالعمليات الفردية، ما يسمى “التنبؤ الشرطي”. بينما على الجانب الهندسي للنظام نفسه يعتبرونه ليس مجرد قاعدة بيانات، بل هو نظام ( Semantic Integration) تكامل دلالي، ولديه قدرة كبيرة على دمج بيانات غير هيكلية مثل الصور، النصوص، الفيديوهات، وتحويلها إلى أهداف يسهل تعقبها على الخريطة. ويتم استخدام “جوثام” داخل الوحدة 8200 ولكن تحت رقابة عسكرية مشددة.
الجدير بالذكر أنه هناك اتفاقية موقعة بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وشركة بلانتير في أوائل عام 2024 لتعزيز القدرات العملياتية خلال الحرب، حيث عقد مجلس إدارة شركة بلانتير اجتماعه الأول في إسرائيل والتقى أليكس كارب الرئيس التنفيذي، بمسؤولين في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ومنهم دانيال جولد رئيس إدارة تطوير الأسلحة والبنية التحتية التكنولوجية.
تضمنت اتفاقية الشراكة ما يلي: الاتفاق على استخدام منصات بلانتير بكل أنظمتها المتقدمة لدعم المهام المتعلقة بالحرب. التركيز – لأول مرة – على إدخال منصة الذكاء الاصطناعي (Palantir AIP) التي يمكنها دمج نماذج لغوية ضخمة مع البيانات الاستخباراتية لمساعدة قيادات الوحدات العسكرية في سهولة اتخاذ قرارات سريعة أثناء الحرب.
استخدام نظام جوثام لربط المعلومات الواردة من الطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، والمصادر البشرية وذلك لسهولة تحديد الأهداف بدقة عالية.
ختامًا: تُشكل إسرائيل اليوم مختبرًا في تجارب أنظمة الذكاء الاصطناعي ووضع هذه الاختبارات ضمن أبعاد استراتيجية لها، حيث انتقلت من التركيز على مجرد التحسين التقني إلى الاعتماد الكلي على الأنظمة الخوارزمية في مجالات الأمن السيبراني، الاستخبارات، والمنظومات الدفاعية. وإن هذا التسارع لم يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليخلق بيئة حاضنة للشركات الناشئة التي تدمج بين الابتكار المدني والخبرة العملياتية، مما جعل هذه التكنولوجيا ركيزة أساسية في صياغة مفهوم الأمن القومي وتفوقها التكنولوجي في المنطقة، وسط نقاشات دولية متزايدة حول أخلاقيات هذه التقنيات وحدود استخدامها في النزاعات الحديثة.
ولاء عبد المرضي عفيفي – مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم
في عام 1903، شرعت الإمبراطورية العثمانية وألمانيا الإمبراطورية في إنشاء سكة حديد بغداد-برلين، التي ربطت العاصمة الألمانية بالخليج عبر العاصمة العثمانية القسطنطينية. في ذلك الوقت، أرادت ألمانيا إنشاء ميناء تجاري على الخليج، غير أن هدفها الرئيس تمثّل في تحدّي المصالح الجيو-اقتصادية للإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية في المشرق وآسيا الوسطى والهند. وشكّل هذا المشروع الكبير أحد العوامل الرئيسة التي دفعت الروس والبريطانيين والفرنسيين إلى التوحّد لمنع ألمانيا من توسيع نفوذها في المنطقة وإعادة رسم حدود الشرق الأوسط. لكن الخطة الألمانية الكبرى لم تنجح مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط دول المحور، ودفعت الأقليات في الأناضول ثمناً باهظاً. وبعد أعوام، طوّرت فرنسا وبريطانيا مسارات اقتصادية جديدة عبر تحديث السكك الحديدية وطرق النقل داخل مستعمراتهما في المنطقة، ودمج الاقتصادات المحلية في شبكاتهما الاستعمارية، وإتاحة روابط تجارية جديدة. وبعد نحو 100 عام، عاد الشرق الأوسط ومحيطه ليشكّلا مرةً أخرى ساحةً لمسارات التجارة الإقليمية والعالمية.
تتحوّل الممرات الاقتصادية أكثر فأكثر إلى العمود الفقري لنظام جيو-اقتصادي جديد في الشرق الأوسط، فتُعيد تشكيل ديناميات التجارة والترابط، كما تُعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. ولا تنحصر هذه الممرات في كونها مشاريع بنية تحتية، بل تعمل بوصفها أدوات استراتيجية تآذار عبرها القوى الإقليمية والعالمية نفوذها، وتؤمّن سلاسل الإمداد، وتُعيد تحديد مجالات التعاون والتنافس.
الممرات وإعادة صياغة جيوسياسة الشرق الأوسط رؤى متنافسة تفتح مبادرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الأوسط التركي، وطريق التنمية العراقي، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي أطلقته روسيا وإيران والهند، إلى جانب شبكات لوجستية تقودها دول الخليج، المجال أمام مسارات تجارية بديلة تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية مثل قناة السويس ومضيق هرمز. وتهدف هذه المشاريع إلى رفع الكفاءة، وخفض تكاليف النقل، ودمج الأسواق الإقليمية في سلاسل القيمة العالمية. وتسعى دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، إلى ترسيخ موقعها بوصفها مراكز لوجستية رئيسة، مستفيدةً من موقعها الجغرافي للانتقال من اقتصادات معتمدة على الهيدروكربونات إلى اقتصادات تجارة وعبور متنوعة. كما تسعى تركيا وإيران وإسرائيل إلى أداء دور مراكز عبور رئيسة تصل بين مسارات الشمال-الجنوب ومسارات الشرق-الغرب.
وبذلك، تُعاد صياغة الجغرافيا الاقتصادية في الشرق الأوسط حول الترابط، وتُربط بمناطق أخرى مثل جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. كما يربط ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، ومبادرة الحزام والطريق، والممر الأوسط شبكات الشرق-الغرب والشمال-الجنوب بعضها ببعض عبر جنوب القوقاز. في 8 آب/آب 2025، وقّع قادة أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى على اتفاق أولي، وأصدروا بوساطة من الولايات المتّحدة إعلاناً مشتركاً شدّد على ضرورة مواصلة الجهود تمهيداً لتوقيع الاتفاق وإقراره نهائياً. والأهم أن الاتفاق استهدف تسهيل إنشاء مسار يربط أذربيجان بجيبها المنفصل عن أراضيها وبتركيا عبر جنوب أرمينيا المحاذي لإيران. ومن المفترض أن يحمل هذا مسار اسم «طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين». ويتمثّل هدفه الرئيس في ربطه بالممر الأوسط، بما يصل أوروبا بآسيا الوسطى وما بعدها، ويمنح تركيا دوراً مهماً بوصفها دولة عبور، فيما ترسّخ الشركات الأميركية موطئ قدم لها في جنوب القوقاز، وخصوصاً في أرمينيا، التي شكّلت في السابق منطقة نفوذ روسية تقليدية قرب الحدود مع إيران. وللولايات المتّحدة هدف آخر: فمن خلال دعم الممر الأوسط الذي يتجاوز روسيا وإيران، تسعى إلى زيادة عزل طهران وموسكو عن مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وبسط نفوذها في آسيا الوسطى، والضغط على الصين.
في الشرق الأوسط، تروّج الولايات المتّحدة وشركاؤها، مثل إسرائيل والإمارات، لممرات اقتصادية مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا بوصفها بديلاً عن مبادرة الحزام والطريق الصينية، سعياً إلى إدراج الهند وعدد من الفاعلين الرئيسين في المنطقة ضمن بنية اقتصادية منسجمة مع الغرب. وإذا دخل هذا المسار حيّز التنفيذ، فقد يقلّص زمن العبور على نحو كبير، بما يجعل التجارة مع أوروبا أسرع بنسبة 40% مقارنةً بمسار البحري عبر قناة السويس، التي تمرّ عبرها 12% من تجارة العالم و7% من الشحنات العالمية، ما يجعل مصر أكبر الخاسرين في الشرق الأوسط. ويهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، الذي أُطلق في عام 2023، إلى أن يصبح الذراع الاقتصادية لاتفاقات أبراهام الهادفة إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبلدان العربية. ومن خلاله تسعى الولايات المتّحدة أيضاً إلى تعزيز التطبيع بين إسرائيل والسعودية، لذلك تكتسب مشاركة السعودية فيه أهمية حاسمة لنجاح المشروع. وفي المقابل، يطرح مسؤولون سعوديون مساراً بديلاً يربط المملكة بتركيا عبر الأردن وسوريا، إحياءً لسكة حديد الحجاز العثمانية وتجاوزاً لإسرائيل. ومن جهتها، ستعمل إسرائيل على زعزعة استقرار سوريا وإفشال أي مسار بديل قد يعزلها عن المنطقة. ولهذا يمكن فهم جهود التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، جزئياً، من خلال الترابط والاندماج في أطر الممرات الاقتصادية الصاعدة. وفي الوقت نفسه، قد يقود الاستبعاد من هذه الممرات إلى تهميش بعض الفاعلين، بما قد يزيد من حدّة الصراعات القائمة.
ويكتسب دور القوى الخارجية أهمية خاصة هنا. فالهند، بوصفها فاعلاً صاعداً من خارج الإقليم والمنافس الرئيس للصين، تنظر إلى علاقتها بدول الخليج على أنها جزء من استراتيجيتها الأوسع غرباً، الهادفة إلى تعزيز نفوذها العالمي واحتواء دور بكين في أوراسيا. وفي المقابل، تستهدف استثمارات الصين الطويلة الأجل في الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية في الخليج والمحيط الهندي ترسيخ حضورها الاقتصادي وتأمين مسارات إمدادات الطاقة. ومن المهم الإشارة إلى أن الهند أطلقت مسارين: يهدف ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب إلى الربط مع روسيا عبر إيران والقوقاز، بينما يهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا إلى الربط مع أوروبا عبر دول الخليج وإسرائيل. ويتوقف استمرار الهند في هذه السياسة الخارجية «المتوازنة» على مآلات المفاوضات الإيرانية-الأميركية. ويُرجَّح أن يتحدد النظام المستقبلي للمنطقة لا بالديناميات السياسية التقليدية وحدها، بل أيضاً بقدرة الفاعلين على ترسيخ مواقعهم في قلب شبكات الترابط الناشئة هذه.
تأملات تعيد هذه الممرات الاقتصادية اليوم رسم الاصطفافات الإقليمية عبر وصل نقاط الاختناق الرئيسة، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، بعضها ببعض. وهي لا تدفع نحو التنافس وحده، بل قد تسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار والترابط الإقليمي. وعلى المدى الطويل، قد تساعد البلدان الهشّة على تخفيف انكشافها إزاء الاضطرابات الناجمة عن توترات جيوسياسية أو نزاعات مسلحة، كما قد تعزّز التنويع الاقتصادي عبر ربطها بالأسواق العالمية. ومن شأن ذلك أن يعزّز الاستقلالية الاستراتيجية للفاعلين المحليين في مواجهة الفاعلين الإقليميين والعالميين. وبالنسبة إلى دول الخليج، تشكّل هذه الممرات الاقتصادية ركناً أساسياً في استراتيجيات التنويع في مرحلة ما بعد النفط. وقد تحوّل استثمارات النقل والخدمات اللوجستية والتقنيات العالية والبنية التحتية الرقمية هذه الدول إلى مراكز لوجيستية عالمية، وتجذب استثمارات أجنبية، وتولّد أرباحاً أعلى. كذلك يولّد الاعتماد الاقتصادي المتبادل قدراً من الاستقرار، إذ تنخرط بلدان المنطقة في حلول رابحة للطرفين وتحدّ من الصراعات. وقد نشهد، تبعاً لذلك، لجوء بلدان المنطقة إلى أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف جيو-اقتصادية بدلاً من ملاحقة حلول قائمة على القوة الصلبة والعمل العسكري. وبالتوازي مع ذلك، قد تشجّع هذه المبادرات بلداناً متصدعة مثل العراق وسوريا ولبنان على الإفادة من هذه المشاريع وربط موانئها ومنافذ الدخول والخروج فيها، بما يصل الخليج بشرق المتوسط ويجذب استثمارات في البنية التحتية.
لكن يبقى السؤال الرئيس : من سيسيطر، ومن سيربط، ومن سيؤمّن، وفي أي نطاق، داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب آخذ في التبلور؟ فالتنافس بين الفاعلين الإقليميين، ولا سيما إيران وإسرائيل وتركيا، من جهة، والفاعلين العالميين، ولا سيما الصين والولايات المتّحدة، من جهة أخرى، ستكون له آثار مباشرة في المنطقة، وقد يفرض اصطفافات جديدة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل ستسهم الممرات الاقتصادية في تعزيز التكامل الإقليمي، أم ستدفع إلى مزيد من التفكك، بحيث تخلق الممرات المتنافسة كتلاً اقتصادية متوازية تصطف مع مصالح القوى الإقليمية والعالمية المتنازعة؟