شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات بنيوية عميقة، تمثلت في تراجع أنماط التحالفات التقليدية وصعود أشكال أكثر مرونة من التنسيق الإقليمي. وفي هذا السياق، برز مصطلح “المحور السني الجديد” في الخطاب الإعلامي والتحليلي في إسرائيل، بوصفه إطارًا لتفسير تقارب عدد من الدول العربية والإقليمية.
غير أن هذا المصطلح يثير إشكالية معرفية، إذ يجمع بين توصيف طائفي ظاهري وسلوك سياسي براجماتي قائم على المصالح. ومن ثم، تطرح هذه الورقة تساؤلا محوريا: إلى أي مدى يعكس مفهوم “المحور السني الجديد” واقعًا تحالفيًا حقيقيًا؟، أم أنه مجرد بناء تحليلي يختزل شبكة معقدة من المصالح؟
المنهجية
تعتمد الورقة على المنهج التحليلي النوعي لفهم طبيعة العلاقات بين الدول المعنية المشاركة، والمنهج المقارن لمقارنة هذا “المحور” بمحاور أخرى، مثل “محور المقاومة” الذي يغلب عليه المذهب الشيعي، وتحليل السيناريوهات لاستشراف المسارات المستقبلية المحتملة.
حدود الدراسة:
لا تعتمد الورقة على تحليل بيانات كمية، فضلا عن محدودية البيانات التجريبية، مع التركيز على التحليل السياسي التفسيري أكثر من الاقتصادي التفصيلي.
الإطار النظري
يمكن تفسير الظاهرة ضمن ثلاث مقاربات رئيسة: الواقعية (Realism)التي تفترض أن الدول تسعى إلى الحفاظ على أمنها، وتعزيزه، وموازنة التهديدات، ينطبق ذلك على سلوك الدول تجاه النفوذ الإيراني. ونظرية توازن القوى (Balance of Power)، التي تشير إلى أن الدول تشكّل تحالفات لمواجهة قوة مهيمنة، ما يُفسّر التقارب بين دول إقليمية لمواجهة إيران. البنائية (Constructivism)، التي تركّز على دور الهوية والخطاب، بما يفسر استخدام مصطلح “سني” رغم أن السلوك سياسي براجماتي.
إطار المفاهيم
-تعريف “المحور السني الجديد”: توصيف تحليلي يشير إلى تقارب سياسي وأمني غير رسمي بين عدد من الدول ذات المصالح المشتركة في مواجهة تحديات إقليمية.
إن الحديث المتداول عن “حلفٍ سنّي”، تقوده دول مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان، يقابله “تحالف مضاد” تسعى إليه إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، يمثل خلطا بين تصريحات سياسية جزئية، وتحليلات إعلامية، ومبالغات متداولة على وسائل التواصل، وليس واقعًا متبلورًا على الأرض حتى الآن.
تصريحات نتنياهو
تشير التصريحات إلى أن بنيامين نتنياهو تحدث عن وجود “محور شيعي” تقوده إيران تسعى إسرائيل لإضعافه، وفي المقابل، حذّر من تشكل “محور سنّي” جديد قد يضم دولًا كبرى في المنطقة. لكنه لم يعلن رسميًا عن خريطة تحالفات تفصيلية للدول المشاركة فيه بالشكل الذي يُتداول (مثل: إثيوبيا ضد مصر، أو الهند ضد باكستان، وقبرص واليونان ضد تركيا)، بل إن هذه التفاصيل تأتي غالبًا من تحليلات أو منشورات غير موثقة.
حقيقة “الحلف السنّي”
-من حيث الواقع: لا يوجد حلف عسكري رسمي معلن يضم تركيا، والسعودية، ومصر، وباكستان. لكن توجد تقاطعات مصالح بين هذه الدول في بعض الملفات، مثل مواجهة النفوذ الإيراني أو قضايا الأمن الإقليمي. أيارجد فقط هو اتفاقيات ثنائية، مثل التعاون الدفاعي بين السعودية وباكستان، الذي يعكس تقاربًا استراتيجيًا دون أن يشكل “حلفًا موحدًا”.
-من حيث التحديات: هذا “الحلف المفترض” يصطدم بعقبات كبيرة، منها اختلافات سياسية عميقة (مثل التوتر السابق بين تركيا ومصر)، وتباين الأولويات (اقتصادية، وأمنية، وجيوسياسية)، وعدم وجود قيادة موحدة أو إطار مؤسسي. لذلك ينظر إليه على أنه أقرب إلى تصور نظري أو احتمال جيوسياسي وليس تحالفًا قائمًا.
حقيقة “التحالف المضاد” التي تقوده إسرائيل
تعمل إسرائيل بالفعل على بناء شبكة تحالفات مرنة (وليس حلفًا رسميًا واحدًا)، وتعزيز علاقاتها مع دول أوروبية (مثل اليونان وقبرص)، وقوى آسيوية (مثل الهند)، ودول إفريقية (مثل إثيوبيا). لكن هذه العلاقات ثنائية أو ثلاثية ولاتشكل “محورًا موحدًا ضد دول بعينها”، ولا يوجد إعلان رسمي عن “تحالف مضاد” بهذه الصيغة.
الأهداف المحتملة
إذا أخذنا الفكرة كتصور نظري، فإن أهداف هذه المحاور قد تكون:
-بالنسبة لإسرائيل: منع تشكل قوة إقليمية موحدة ضدها، وموازنة النفوذ الإيراني، وتوسيع شبكة الشراكات الأمنية والاقتصادية.
-بالنسبة للدول الإقليمية: تحقيق توازن قوى في المنطقة، وحماية المصالح الاستراتيجية (الطاقة، والممرات البحرية، والأمن).
قابلية التحالفات للتحقق
بواقعية شديدة المنطقة لا تعمل وفق “محاور صلبة” (مثل الحرب الباردة)، بل وفق تحالفات مرنة ومتغيرة، وتعاون جزئي وفق الملفات المطروحة. لذلك من غير المرجح ظهور “حلف سنّي موحد”، أو “تحالف إسرائيلي مضاد شامل”، بل الأرجح استمرار شبكة علاقات متداخلة ومتغيرة.
الخلاصة
ما يُتداول عن حلف سنّي موحد وتحالف إسرائيلي مضاد بتوزيع دولي محدد هو تبسيط مفرط لمشهد معقد جدًا. الحقيقة الأقرب هي أن هناك تنافسا إقليميا ومحاولات اصطفاف، لكن دون تحالفات رسمية شاملة بهذا الشكل، والواقع على الأرض تحكمه البراجماتية أكثر من الانقسام الطائفي الصارم.
طبيعة “المحور السني”
-غياب البنية المؤسسية: لا توجد معاهدة مشتركة، وبالتالي لم تتشكل قيادة موحدة، ولا التزام دفاعي مشترك.
–السمات الأساسية: مرونة عالية، وبراجماتية سياسية، وانتقائية في التعاون.
يعكس غياب البنية المؤسسية والسمات الأساسية المشتركة- الناتجة عن غياب معاهدة مشتركة وقيادة موحدة والتزام دفاعي- “شبكة مصالح” لا “تحالفًا مذهبيا تقليديًا”.
بين “المحور السني” و”المحور الشيعي”
البعد
المحور السني
المحور الشيعي
التنظيم
غير مؤسسي
شبه مؤسسي
الأيديولوجيا
ضعيفة
قوية
الأدوات
دبلوماسية
عسكرية
القيادة
غائبة
مركزية
يكشف جدول المقارنة بين المحورين اختلافا ليس فقط في الأهداف، بل في البنية ذاتها.
التحليل الجيوسياسي
-البعد الأمني: تتمثل مجالاته في مكافحة الإرهاب، والتنسيق في ملفات إقليمية، واحتواء النفوذ الإيراني.
-البعد السياسي: تتمثل مجالاته في رفض الفوضى الإقليمية، وتقارب في مواقف الحكم والاستقرار.
-البعد الاستراتيجي: تتمثل مجالاته في إعادة تشكيل ميزان القوى، ومنع الهيمنة الإقليمية.
السيناريوهات المستقبلية
-السيناريو الأول – التحالف المؤسسي: تتمثل نتائجه في ردع إقليمي أقوى وتوازن قوى واضح، أما مخاطره فتتمثل في استقطاب حاد وسباق تسلح.
-السيناريو الثاني – الاستمرار كشبكة مرنة (الأرجح): تتمثل نتائجه في تعاون انتقائي وتجنب التزامات رسمية.
-السيناريو الثالث – التفكك: تتمثل نتائجه في فراغ استراتيجي، وتصاعد نفوذ إيران، وزيادة عدم الاستقرار.
الفاعلون الدوليون
-إسرائيل: ترى فرصة للتعاون وتخشى تحالفًا موحدًا.
-إيران: تعتبره تهديدًا وتعمل على موازنته.
-القوى الكبرى: الولايات المتحدة تقدم دعما غير مباشر، أما الصين وروسيا فتعملان على استثمار في التوازنات.
الخاتمة
هكذا تكشف الورقة عن تحول مهم، مفاده الانتقال من نظام محاور صلبة إلى نظام شبكات مرنة، وعلاقات غير ثابتة، وتحالفات ظرفية، ومصالح تتغير بسرعة، كما تظهر أن الصراعات لا تُدار بالكامل، لكنها تُوجّه وتُستثمر. وتخلص أيضا إلى أن “المحور السني الجديد” ليس تحالفًا بالمعنى التقليدي، بل هو انعكاس لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، حيث تحل شبكات المصالح محل التحالفات الصلبة. وبالتالي فهم هذا “المحور” يتطلب تجاوز التصنيفات الطائفية، والنظر إليه ضمن ديناميات التوازنات الاستراتيجية والمصالح المتغيرة.
د. محمد صالح – مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم
في عام 1903، شرعت الإمبراطورية العثمانية وألمانيا الإمبراطورية في إنشاء سكة حديد بغداد-برلين، التي ربطت العاصمة الألمانية بالخليج عبر العاصمة العثمانية القسطنطينية. في ذلك الوقت، أرادت ألمانيا إنشاء ميناء تجاري على الخليج، غير أن هدفها الرئيس تمثّل في تحدّي المصالح الجيو-اقتصادية للإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية في المشرق وآسيا الوسطى والهند. وشكّل هذا المشروع الكبير أحد العوامل الرئيسة التي دفعت الروس والبريطانيين والفرنسيين إلى التوحّد لمنع ألمانيا من توسيع نفوذها في المنطقة وإعادة رسم حدود الشرق الأوسط. لكن الخطة الألمانية الكبرى لم تنجح مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط دول المحور، ودفعت الأقليات في الأناضول ثمناً باهظاً. وبعد أعوام، طوّرت فرنسا وبريطانيا مسارات اقتصادية جديدة عبر تحديث السكك الحديدية وطرق النقل داخل مستعمراتهما في المنطقة، ودمج الاقتصادات المحلية في شبكاتهما الاستعمارية، وإتاحة روابط تجارية جديدة. وبعد نحو 100 عام، عاد الشرق الأوسط ومحيطه ليشكّلا مرةً أخرى ساحةً لمسارات التجارة الإقليمية والعالمية.
تتحوّل الممرات الاقتصادية أكثر فأكثر إلى العمود الفقري لنظام جيو-اقتصادي جديد في الشرق الأوسط، فتُعيد تشكيل ديناميات التجارة والترابط، كما تُعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. ولا تنحصر هذه الممرات في كونها مشاريع بنية تحتية، بل تعمل بوصفها أدوات استراتيجية تآذار عبرها القوى الإقليمية والعالمية نفوذها، وتؤمّن سلاسل الإمداد، وتُعيد تحديد مجالات التعاون والتنافس.
الممرات وإعادة صياغة جيوسياسة الشرق الأوسط رؤى متنافسة تفتح مبادرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الأوسط التركي، وطريق التنمية العراقي، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي أطلقته روسيا وإيران والهند، إلى جانب شبكات لوجستية تقودها دول الخليج، المجال أمام مسارات تجارية بديلة تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية مثل قناة السويس ومضيق هرمز. وتهدف هذه المشاريع إلى رفع الكفاءة، وخفض تكاليف النقل، ودمج الأسواق الإقليمية في سلاسل القيمة العالمية. وتسعى دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، إلى ترسيخ موقعها بوصفها مراكز لوجستية رئيسة، مستفيدةً من موقعها الجغرافي للانتقال من اقتصادات معتمدة على الهيدروكربونات إلى اقتصادات تجارة وعبور متنوعة. كما تسعى تركيا وإيران وإسرائيل إلى أداء دور مراكز عبور رئيسة تصل بين مسارات الشمال-الجنوب ومسارات الشرق-الغرب.
وبذلك، تُعاد صياغة الجغرافيا الاقتصادية في الشرق الأوسط حول الترابط، وتُربط بمناطق أخرى مثل جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. كما يربط ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، ومبادرة الحزام والطريق، والممر الأوسط شبكات الشرق-الغرب والشمال-الجنوب بعضها ببعض عبر جنوب القوقاز. في 8 آب/آب 2025، وقّع قادة أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى على اتفاق أولي، وأصدروا بوساطة من الولايات المتّحدة إعلاناً مشتركاً شدّد على ضرورة مواصلة الجهود تمهيداً لتوقيع الاتفاق وإقراره نهائياً. والأهم أن الاتفاق استهدف تسهيل إنشاء مسار يربط أذربيجان بجيبها المنفصل عن أراضيها وبتركيا عبر جنوب أرمينيا المحاذي لإيران. ومن المفترض أن يحمل هذا مسار اسم «طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين». ويتمثّل هدفه الرئيس في ربطه بالممر الأوسط، بما يصل أوروبا بآسيا الوسطى وما بعدها، ويمنح تركيا دوراً مهماً بوصفها دولة عبور، فيما ترسّخ الشركات الأميركية موطئ قدم لها في جنوب القوقاز، وخصوصاً في أرمينيا، التي شكّلت في السابق منطقة نفوذ روسية تقليدية قرب الحدود مع إيران. وللولايات المتّحدة هدف آخر: فمن خلال دعم الممر الأوسط الذي يتجاوز روسيا وإيران، تسعى إلى زيادة عزل طهران وموسكو عن مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وبسط نفوذها في آسيا الوسطى، والضغط على الصين.
في الشرق الأوسط، تروّج الولايات المتّحدة وشركاؤها، مثل إسرائيل والإمارات، لممرات اقتصادية مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا بوصفها بديلاً عن مبادرة الحزام والطريق الصينية، سعياً إلى إدراج الهند وعدد من الفاعلين الرئيسين في المنطقة ضمن بنية اقتصادية منسجمة مع الغرب. وإذا دخل هذا المسار حيّز التنفيذ، فقد يقلّص زمن العبور على نحو كبير، بما يجعل التجارة مع أوروبا أسرع بنسبة 40% مقارنةً بمسار البحري عبر قناة السويس، التي تمرّ عبرها 12% من تجارة العالم و7% من الشحنات العالمية، ما يجعل مصر أكبر الخاسرين في الشرق الأوسط. ويهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، الذي أُطلق في عام 2023، إلى أن يصبح الذراع الاقتصادية لاتفاقات أبراهام الهادفة إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبلدان العربية. ومن خلاله تسعى الولايات المتّحدة أيضاً إلى تعزيز التطبيع بين إسرائيل والسعودية، لذلك تكتسب مشاركة السعودية فيه أهمية حاسمة لنجاح المشروع. وفي المقابل، يطرح مسؤولون سعوديون مساراً بديلاً يربط المملكة بتركيا عبر الأردن وسوريا، إحياءً لسكة حديد الحجاز العثمانية وتجاوزاً لإسرائيل. ومن جهتها، ستعمل إسرائيل على زعزعة استقرار سوريا وإفشال أي مسار بديل قد يعزلها عن المنطقة. ولهذا يمكن فهم جهود التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، جزئياً، من خلال الترابط والاندماج في أطر الممرات الاقتصادية الصاعدة. وفي الوقت نفسه، قد يقود الاستبعاد من هذه الممرات إلى تهميش بعض الفاعلين، بما قد يزيد من حدّة الصراعات القائمة.
ويكتسب دور القوى الخارجية أهمية خاصة هنا. فالهند، بوصفها فاعلاً صاعداً من خارج الإقليم والمنافس الرئيس للصين، تنظر إلى علاقتها بدول الخليج على أنها جزء من استراتيجيتها الأوسع غرباً، الهادفة إلى تعزيز نفوذها العالمي واحتواء دور بكين في أوراسيا. وفي المقابل، تستهدف استثمارات الصين الطويلة الأجل في الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية في الخليج والمحيط الهندي ترسيخ حضورها الاقتصادي وتأمين مسارات إمدادات الطاقة. ومن المهم الإشارة إلى أن الهند أطلقت مسارين: يهدف ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب إلى الربط مع روسيا عبر إيران والقوقاز، بينما يهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا إلى الربط مع أوروبا عبر دول الخليج وإسرائيل. ويتوقف استمرار الهند في هذه السياسة الخارجية «المتوازنة» على مآلات المفاوضات الإيرانية-الأميركية. ويُرجَّح أن يتحدد النظام المستقبلي للمنطقة لا بالديناميات السياسية التقليدية وحدها، بل أيضاً بقدرة الفاعلين على ترسيخ مواقعهم في قلب شبكات الترابط الناشئة هذه.
تأملات تعيد هذه الممرات الاقتصادية اليوم رسم الاصطفافات الإقليمية عبر وصل نقاط الاختناق الرئيسة، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، بعضها ببعض. وهي لا تدفع نحو التنافس وحده، بل قد تسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار والترابط الإقليمي. وعلى المدى الطويل، قد تساعد البلدان الهشّة على تخفيف انكشافها إزاء الاضطرابات الناجمة عن توترات جيوسياسية أو نزاعات مسلحة، كما قد تعزّز التنويع الاقتصادي عبر ربطها بالأسواق العالمية. ومن شأن ذلك أن يعزّز الاستقلالية الاستراتيجية للفاعلين المحليين في مواجهة الفاعلين الإقليميين والعالميين. وبالنسبة إلى دول الخليج، تشكّل هذه الممرات الاقتصادية ركناً أساسياً في استراتيجيات التنويع في مرحلة ما بعد النفط. وقد تحوّل استثمارات النقل والخدمات اللوجستية والتقنيات العالية والبنية التحتية الرقمية هذه الدول إلى مراكز لوجيستية عالمية، وتجذب استثمارات أجنبية، وتولّد أرباحاً أعلى. كذلك يولّد الاعتماد الاقتصادي المتبادل قدراً من الاستقرار، إذ تنخرط بلدان المنطقة في حلول رابحة للطرفين وتحدّ من الصراعات. وقد نشهد، تبعاً لذلك، لجوء بلدان المنطقة إلى أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف جيو-اقتصادية بدلاً من ملاحقة حلول قائمة على القوة الصلبة والعمل العسكري. وبالتوازي مع ذلك، قد تشجّع هذه المبادرات بلداناً متصدعة مثل العراق وسوريا ولبنان على الإفادة من هذه المشاريع وربط موانئها ومنافذ الدخول والخروج فيها، بما يصل الخليج بشرق المتوسط ويجذب استثمارات في البنية التحتية.
لكن يبقى السؤال الرئيس : من سيسيطر، ومن سيربط، ومن سيؤمّن، وفي أي نطاق، داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب آخذ في التبلور؟ فالتنافس بين الفاعلين الإقليميين، ولا سيما إيران وإسرائيل وتركيا، من جهة، والفاعلين العالميين، ولا سيما الصين والولايات المتّحدة، من جهة أخرى، ستكون له آثار مباشرة في المنطقة، وقد يفرض اصطفافات جديدة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل ستسهم الممرات الاقتصادية في تعزيز التكامل الإقليمي، أم ستدفع إلى مزيد من التفكك، بحيث تخلق الممرات المتنافسة كتلاً اقتصادية متوازية تصطف مع مصالح القوى الإقليمية والعالمية المتنازعة؟