دور الحرب الإيرانية الأمريكية في معادلة الأمن الخليجي

في العقود الأخيرة، تجاوز مفهوم أمن الخليج بُعده العسكري البحت، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلات الردع الإقليمية والدولية. وقد ساهمت العملية العسكرية الواسعة النطاق “الغضب الملحمي”، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بنهجها غير المتكافئ، في ترسيخ نمط من التهديد قائم على التعطيل المحسوب بدلاً من المواجهة الشاملة، وذلك من خلال الضغط المستمر على الممرات الملاحية والبنية التحتية الحيوية. وتبرز “استراتيجية التعطيل” الإيرانية كآلية لزعزعة استقرار الخليج عبر النفوذ البحري، والضربات الرمزية، وتكتيكات الترهيب التدريجي.

التهديدات الإيرانية للخليج في ضوء الصراع الحالي
منذ عام 1979، انتهجت إيران سياسة توسعية تقوم على تصدير ثورتها وتعزيز نفوذها الإقليمي عبر الوسائل العسكرية وغير النظامية، ولا سيما دعم الميليشيات واستغلال الأزمات الداخلية والإقليمية. وقد تجلى ذلك في دعم الفصائل المسلحة في العراق، والتدخل في سوريا، وتعزيز وجود حزب الله في لبنان، وتمكين الحوثيين كأداة للضغط على السعودية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن شبكات التهريب التي تهدد الأمن البحري. ورغم التغيرات في القيادة والضغوط الدولية، ظل هذا النهج ثابتاً، مما جعل إيران تهديداً مباشراً لأمن الخليج. ويُعدّ البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق بالغ، إذ تتجاوز مستويات التخصيب فيه 60% وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يُخلّ بتوازن القوى ويزيد من خطر الانتشار النووي الإقليمي. كما تُشير تقديرات مراكز الأبحاث إلى أن إيران تمتلك أكبر برنامج للصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، بأكثر من 3000 صاروخ، بالإضافة إلى قدرات متطورة للطائرات المسيّرة، مما يعكس استراتيجية “الردع غير المتكافئ” التي تهدف إلى رفع تكلفة المواجهة على خصومها. في المقابل، تواجه دول الخليج تحديات أمنية واقتصادية متصاعدة. تُعدّ منشآت النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه، والموانئ أهدافًا حساسة لهجمات منسقة قد تُسبب شللًا واسع النطاق. وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا في الهجمات المنسوبة إلى إيران. ففي عام 2026، أعلنت الإمارات العربية المتحدة اعتراض أكثر من 2200 صاروخ وطائرة مسيّرة في شهر واحد، بينما نجحت المملكة العربية السعودية في إسقاط صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة في منطقتها الشرقية. يُبيّن هذا أن التهديدات الإيرانية تتجاوز العمل العسكري المباشر، لتُشكّل حملة ضغط شاملة ضد البنية التحتية الاستراتيجية لدول الخليج. وهذا يستلزم إنشاء جبهة تعاون أمني قوية قادرة على مواجهة هذا النهج التصاعدي.

تداعيات هذه التهديدات على أمن الخليج
أصبحت دول الخليج محورًا أساسيًا في معادلة الأمن، إذ لم يعد التهديد الإيراني مجرد احتمال نظري، بل اختبارًا مستمرًا لمدى صمود البيئة الإقليمية. ورغم أن العملية العسكرية واسعة النطاق التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في شباط/شباط 2026 وفرت حاجزًا مؤقتًا، إلا أن هذا الحاجز هش ويتطلب مستوى أعلى من الاستعداد، نظرًا لحساسية موقع الخليج وتأثره بالتوترات المستمرة . يكمن خطر هذه التهديدات في طبيعتها المتعددة الأوجه؛ فهي لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضًا تعطيل الملاحة، واستهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة والمياه، وزعزعة استقرار الأسواق. وتعتمد إيران استراتيجية “التعطيل المحسوب”، حيث تُوزّع الضغط من خلال ضربات رمزية ورسائل سياسية وأمنية، مما يزيد من تكلفة الرد ويحوله إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. لذلك، لا يمكن اختزال أمن الخليج إلى الردع العسكري التقليدي، بل يتطلب بناء نظام تعاون إقليمي ودولي متين قادر على تقليل عنصر المفاجأة، وضمان حماية الملاحة وموارد الطاقة، ومنع التوترات من أن تصبح واقعًا مستدامًا يخدم مصالح إيران.

الشراكات والضمانات الأمنية لمنطقة الخليج
إن استمرار سياسات إيران التصعيدية يستلزم من دول الخليج تعزيز تعاونها الدفاعي من خلال شراكات إقليمية ودولية لضمان حماية المصالح الحيوية والحد من تكلفة التهديدات. تاريخياً، ارتبط أمن الخليج بالوجود الأمريكي، حيث شكلت القواعد والاتفاقيات الدفاعية في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والكويت ضمانة أساسية لاستقرار المنطقة كشريان عالمي للطاقة. ومع تصاعد تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، برز الدور الأمريكي كحجر زاوية في حماية الملاحة وتأمين سلاسل الإمداد ودعم الردع الجماعي، وهي نقطة أكدتها تحليلات مراكز بحثية مثل المجلس الأطلسي الذي ينظر إلى واشنطن باعتبارها الضامن الأكثر ثباتًا وموثوقية لأمن الخليج. وعلى الصعيد العملي، سعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى مواءمة أنظمتها الدفاعية مع شريكتها الأمريكية من خلال دمج أنظمة الدفاع الجوي وتبادل معلومات الإنذار المبكر، مما عزز قدرتها على مواجهة التهديدات المتعددة. وتشير بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة في الخليج، بما فيها باتريوت وثاد، منحت المنطقة قدرةً أكبر على التصدي للهجمات الصاروخية والجوية. وبذلك، لم يعد مفهوم الضمانات الأمنية مقتصراً على الوجود العسكري فحسب، بل يشمل عمليات مشتركة تُعزز دور دول الخليج كفاعلين إقليميين. وفي هذا السياق، يبرز دور الأردن كشريك إقليمي فاعل في منظومة الضمانات الأمنية، نظراً لموقعه الجغرافي وعلاقاته الدفاعية الوثيقة مع الولايات المتحدة. وقد أسهمت قدراته الجوية والعملياتية في اعتراض واحتواء التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة المرتبطة بسيناريوهات التصعيد الإيراني، مما عزز من مرونة منظومة الدفاع المشتركة، وأثبت أن أمن الخليج لا يعتمد فقط على الشراكة الخليجية الأمريكية، بل يتطلب أيضاً دعم الشبكات الإقليمية المُدارة وفقاً لفهم مشترك للتهديدات.

توسّع نطاق التعاون ليشمل أيضًا الأمن البحري والاستخبارات والدفاع السيبراني، إدراكاً لخطورة الهجمات السيبرانية على البنية التحتية الحيوية. لذا، تتطلب مواجهة التهديدات الإيرانية شراكة خليجية متينة تقوم على قدرات متكاملة، وصنع قرار موحد، ومراقبة واستجابة فعّالة، بما يضمن استمرارية الضمانات الأمنية وتحويلها إلى نظام تشغيلي طويل الأمد يشمل البُعد السيبراني أيضاً.

كيف ينظر خبراء ومسؤولو الخليج إلى سبل مواجهة هذه التحديات؟
في الإمارات العربية المتحدة، يؤكد الشيخ طحنون بن زايد أن الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة ضرورية لتعزيز الاستقرار، مما يعكس نهجًا خليجيًا قائمًا على تحالفات تُكمّل القدرات مع الحفاظ على استقلالية اتخاذ القرار. وفي المملكة العربية السعودية، يُبرز خطاب القيادة أن التحالف مع واشنطن يضمن السلام الإقليمي، مع التشديد على ضرورة تعزيز الاكتفاء الذاتي لتقليل التبعية. وتقدم الكويت منظورًا قائمًا على وحدة الأمن الخليجي ككل لا يتجزأ، حيث يُنظر إلى أي تهديد على أنه يستهدف يستهدف المنطقة بأكملها. وفي قطر، يربط الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الشراكة الدفاعية بأمن الطاقة والأمن البحري، موسعًا بذلك نطاق التهديدات ليشمل المجال الاقتصادي العالمي. وفي البحرين، يشير ولي العهد الأمير سلمان بن حمد إلى أن اتفاقية التكامل الأمني ​​مع الولايات المتحدة تُعزز الطابع المؤسسي للتعاون، محولةً إياه من ترتيب ظرفي إلى إطار دائم. وهكذا، يتضح أن رؤية الخليج لمواجهة التحديات ترتكز على ثلاثة أركان: التحالف مع الولايات المتحدة وبعض الدول الشقيقة والصديقة كالأردن وباكستان كضمانة أساسية؛ تعزيز قدرات الاعتماد على الذات للتخفيف من المخاطر السيبرانية وعنصر المفاجأة؛ واعتماد نهج جماعي يوحد الاستجابة الأمنية. يمنح هذا النهج دول الخليج قدرة أكبر على مواجهة التهديدات الإيرانية متعددة الأبعاد، ويحولها من مجرد أهداف إلى دول إقليمية فاعلة وقادرة على صياغة المعادلة الأمنية بنفسها.

دروس مستفادة من الصراع وحدود الردع
كشف الصراع مع إيران عن عدد من الدروس الاستراتيجية العميقة. فقد برزت أهمية الابتكار العسكري وتطبيق الاستراتيجية السياسية في مواجهة التهديدات غير المتكافئة. وأظهرت دول الخليج قوة شراكاتها الدفاعية وقدرتها على التصدي للتهديدات المباشرة. كما عكست عمليات الاعتراض الناجحة التي قامت بها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن بروز المنطقة كفاعل إقليمي قوي، قادر على حماية أمنه القومي من أكثر التهديدات الصاروخية والجوية تعقيداً. ومع ذلك، فإن هجمات إيران على البنية التحتية المدنية الحيوية في الخليج، بما في ذلك المطارات والمنشآت النفطية والطرق البحرية، تُظهر الحاجة إلى تعزيز الشراكات لمواجهة القيود الحالية للردع التقليدي من أجل زيادة الاستعداد لمواجهة التهديدات العسكرية غير المتكافئة.

خاتمة
تؤكد هذه التطورات أن الأزمة الراهنة لا يمكن اختزالها إلى حدث عابر أو مجرد اختبار ظرفي، بل تمثل لحظة محورية لإعادة صياغة معادلة الأمن في الخليج. فهي تتيح فرصة لتعزيز نظام أمني متماسك بقيادة أصوات المنطقة نفسها، يدمج القدرات المحلية مع الشراكات الدولية لضمان الاستقرار في بيئة جيوسياسية لا تحتمل الفراغات الأمنية. وتتطلب مواجهة التهديد الإيراني موقفًا خليجيًا موحدًا يوازن بين آليات الردع والاحتواء، مع إيلاء أهمية قصوى لتطوير التكنولوجيا العسكرية المحلية. إن الأزمة اختبار حقيقي لإعادة تشكيل معادلة الأمن في الخليج، وليست مجرد حدث عابر في مسار المنطقة.

د. غادة محمد عامر – موقع دفاع العرب

موضوعات ذات صلة